مجمع البحوث الاسلامية
734
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
مكارم الشّيرازيّ : حفظ القرآن من التّحريف بعد أن استعرضت الآيات السّابقة تحجّج الكفّار واستهزاءهم بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله والقرآن ، تأتي هذه الآية المباركة لتواسي قلب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله من جهة ، ولتطمئنّ قلوب المؤمنين المخلصين من جهة أخرى ، من خلال طرح مسألة حيويّة ذات أهمّيّة بالغة لحياة الرّسالة ، ألا وهي حفظ القرآن من أيادي التّلاعب والتّحريف إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ . فبناء هذا القرآن مستحكم وشمس وجوده لا يغطّيها غربال الضّلال ، ومصباح هديه أبديّ الإنارة ، ولو اتّحد أعتى جبابرة التّاريخ وطغاته وحكّامه الظّلمة ، محفوفين بعلماء السّوء ، ومزوّدين بأقوى الجيوش عدّة وعتادا ، على أن يخمدوا نور القرآن ومحاولة النّيل من نقائه ، فلن يستطيعوا ، لأنّ الحكيم الجبّار سبحانه تعهّد بحفظه وصيانته ، فكيف بهم وهم فئة قليلة ضعيفة ! وقد اختلف المفسّرون في دلالة « حفظ القرآن » في هذه الآية المباركة . 1 - قال بعضهم : الحفظ من التّحريف والتّغيير ، والزّيادة والنّقصان . 2 - وقال البعض الآخر : حفظ القرآن من الضّياع والفناء إلى يوم قيام السّاعة . 3 - وقال غيرهم : حفظه أمام المعتقدات المضلّة المخالفة له . بما أنّه لا يوجد أيّ تضادّ بين هذه التّفاسير ، وسياقها ضمن المفهوم العامّ لعبارة إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ فلا داعي لحصر مصاديقها في بعد واحد ، خصوصا وإنّ لَحافِظُونَ ذكرت بصيغة مطلقة ، وليس هناك ما يخصّصها . الحقّ - وفقا لظاهر الآية المذكورة - فقد وعد اللّه تعالى بحفظ القرآن من جميع النّواحي : من التّحريف ، من التّلف والضّياع ، ومن سفسطات الأعداء المزاجيّة ووساوسهم الشّيطانيّة . أمّا ما احتمله بعض قدماء المفسّرين بأنّه الحفظ على شخص النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، باعتبار أنّ ضمير ( له ) في الآية يعود إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، بدلالة إطلاق لفظة ( الذّكر ) على شخص النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله في بعض الآيات ، فهو احتمال يتعارض مع سياق الآيات السّابقة الّتي عنت ب ( الذّكر ) القرآن ، بالإضافة إلى إشارة الآية المقبلة لهذا المعنى . [ ثمّ أطال البحث حول عدم تحريف القرآن فلاحظ ] ( 8 : 20 - 30 ) فضل اللّه : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ الّذي تواجهون آياته بأساليب السّخريّة ، دون وعي أو مسؤوليّة ، لأنّكم لم ترتكزوا في موقفكم من الرّسالة على موقع التّأمّل والتّدبّر ، لتعرفوا عمق الإعجاز فيه ، وتلتفتوا إلى أنّ اللّه هو الّذي أنزل آياته لتكون نورا وهدى للنّاس ، وأنّ البشر لا يمكن أن يأتوا بسورة من مثله ، لأنّ خصائصه الإبداعيّة شكلا ومضمونا فوق قدرتهم ، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ من الضّياع ومن التّحريف ، ليبقى وثيقة إلهيّة معصومة ، يرجع النّاس إليها في كلّ جيل عندما تشتبه الأمور ، وتضطرب الأفكار ، وتختلط المفاهيم وتتحرّك التّيّارات المضادّة أو التّحريفيّة ، وتكثر الأكاذيب على صاحب الرّسالة . فإنّ القرآن يبقى المرجع المعصوم الّذي يمثّل الحقيقة